فخر الدين الرازي
48
النبوات وما يتعلق بها
الملكان له : ان للسحر تأثيرا قويا في النفع أو في الضرر وأنت به تكون قادرا على الخير والشر . والقادر على الخير والشر اما أن يفعل الخير فيفلح واما أن يفعل الشر فيهلك . فالسحر فتنة وابتلاء واختبار لايمان المرء . وهم قد ابتدعوا الفتنة بالسحر ليبينوا للناس أنه ليس كل علماء بني إسرائيل عالمين به ، وذلك لكي يردوا على العلماء المخلصين لدينهم الذين يبينون أن التوراة لم تنص على ذلك . أي أنه إذا قام عالم بنفي السحر معتمدا على ما في التوراة ، يرد عليه سفيه بقوله : أنت تنفى لأنك لم تتعلم ممن تعلم من الملكين ، أما أنا فقد تلقيت السحر رواية ودراية عن فلان ، عن فلان ، عن فلان عن هاروت وماروت أنفسهما . عبادة الكواكب عند الصابئين : وكانت عبادة الكواكب والنجوم منتشرة في نواحي بابل ، وكان بعض الصابئين يعبدون الكواكب ويزعمون أنها أحياء ناطقة ومدبرة لهذا العالم . فاستغل الفسقة من علماء اليهود هذا الاعتقاد الباطل ، الّذي ما كان قد محى أثره بعد ، وزعموا : أن الرقى والعزائم لها ارتباطات قوية بحركات الكواكب وان العمل إذا قرن بكوكب المشترى يكون تأثيره كذا ، وإذا قرن بكوكب عطارد يكون تأثيره كذا . وهكذا جعلوا لكل كوكب عملا ، ولكل وقت يظهر الكوكب فيه عملا وبينوا أن ذلك من الأمور التي يجب أن تحجب عن العامة . لأنها من قبيل الطلسمات ، أي الأمور المخفية المخبأة . لا فائدة من السحر والطلسمات : ولما طال الزمان بهذه الإشاعة . واليهود دائبون على تأكيدها في كل مكان يحلون فيه لأخذ أموال الناس بالباطل والتمتع بالنساء ، اعتقد الناس أن للسحر تأثيرا قويا ، - والباطل إذا طال أمده ، يظنه الناس حقا - حتى أن الفلاسفة الذين ظهروا بعد استقرار الإشاعة وكأنها أم الحقائق ، فرقوا بين السحر وبين الطاسمات ، فقالوا : أن الساحر لا يحتاج إلى معين ، وصاحب الطاسمات يستعين بروحانيات الكواكب واسرار الأعداد وخواص الموجودات وأوضاع الفلك المؤثرة في عالم العناصر « 1 » .
--> ( 1 ) مقدمة ابن خلدون ص 244 طبعة بولاق بمصر .